إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

440

الإعتصام

قال ابن رشد ومن شرط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم أو رد التباعات إليهم وهذا مما لا سبيل إلى القاتل إليه إلا بأن يدك المقتول حيا فيعفو عنه نفسه وأولى من هذه العبارة أن نقول ومن شرط خروجه من تباعة القتل مع التوبة استدراك ما فات على المجنى عليه إما ببذل القيمة له وهو أمر لا يمكن بعد فوت المقتول فكذلك يمكن في صاحب البدعة من جهة الأدلة فراجع ما تقدم في الباب الثاني تجد فيه كثيرا من التهديد والوعيد المخوف جدا وانظر في قوله تعالى « ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم » فهذا وعيد ثم قال تعالى « يوم تبيض وجوه وتسود وجوه » وتسويد الوجوه علامة الخزي ودخول النار النار ثم قال تعالى « أكفرتم بعد إيمانكم » وهو تقريع وتوبيخ ثم قال تعالى « فذوقوا العذاب » الآية وهو تأكيد آخر وكل هذا التقرير بناء على أن المراد بالآيات أهل القبلة من أهل البدع لأن المبتدع إذا اتبع في بدعته لم يمكنه التلافي - غالبا - فيها ولم يزل أثرها في الأرض مستطيل إلى قيام الساعة وذلك كله بسببه فهي أدهى من قتل النفس قال مالك رحمة الله عليه إن العبد لو ارتكب جميع الكبائر بعد أن لا يشرك بالله شيئا وجبت له أرفع المنازل لأن كل ذنب بين العبد وربه هو منه على رجاء وصاحب البدعة ليس هو منها على رجاء إنما يهوى به في نار جهنم فهذا منه نص في إنفاذ الوعيد والثاني أن يكون مقيدا بأن يشاء الله تعالى إصلاءهم في النار وإنما حمل قوله كلها في النار أي هي ممن يستحق النار كما قالت الطائفة الأخرى في قوله تعالى « فجزاؤه جهنم خالدا فيها » أي ذلك جزاؤه فإن عفا عنه فله العفو إن شاء الله لقوله تعالى « إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » فكما ذهبت طائفة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة - وإن لم يكن الاستدراك كذلك - يصح أن يقال هنا بمثله .